مقالي الجديد "الأباطرة والحرافيش"
في ظل فرحة انتصار الحادي عشر من شهر فبراير الماضي وجدت في نفسي الرغبة في الكتابة عن أسباب قيام الثورة وأسباب انتصارها وبدأت بتدوين العناصر الأساسية على أمل أن يتحول كل عنصر لموضوع مُفصَّل .. لكني أحجمت قليلاً بعدما أدركت أن متطلبات تلك المرحلة ليست التنظير وإنما الاستمرار في هدم أركان الفساد وبقايا النظام الساقط رأسه وبناء المجتمع الديمقراطي الحر الذي طالما حلمنا به .. ولكن الرياح أتت بما لم تشتهيه سفننا !
فالحلم الجميل لم يدم طويلاً .. وبدأت في الشهر التالي مباشرة مرحلة تفريق الصف الواحد إلى صفوف متناحرة يضيع وقتها في اختلاق معارك وهمية أو الانجرار إليها والتورط فيها ، بدأت بمعركة وهمية حول المادة الثانية من الدستور تلتها معركة الدولة المدنية والدينية ثم معركة الاستفتاء فمعارك التخوين والتكفير ومعارك الانتخابات أولاً أم الدستور أولاً بالاضافة لمعركة المبادئ الفوق دستورية والتي قد بعثت من جديد بعدما ظنناها ذهبت بلا رجعة !
خرجنا من كل تلك المعارك الزائفة منكهة قوانا ، مفتت شملنا فلم ننتبه لما استدعى الانتباه له والوقوف ضده صفاً واحداً من الهبوط الثوري (1) وإعادة انتاج النظام الذي خرجنا ثائرين عليه .. فعدنا مرة أخرى لتكميم الأفواه وتشويه الرموز الوطنية المخلصة وكبت الحريات وعاد الإعلام الحكومي لتزييف الحقائق والتطبيل للحكام الذين أصبحوا أشداء على الثوار رحماء على البلطجية وأذناب النظام .. عدنا لنقرأ أخباراً عن تعذيب المساجين حتى الموت .. وعن منع البرامج الهادفة .. وغلق القنوات الإخبارية .. ومحاكمة الثوار عسكرياً .. وعن مؤتمرات تعقد لمناقشة سبل نهضة البلد بعد عصور من التخلف والاستبداد يحضره من شاركوا في صنع هذا التخلف وذلك الاستبداد !
واللعب داير كما هوه..
كأنه مفيش..
لسه الأباطره فوق دايسين على الحرافيش.
لسه الضمير متقسم..
وبره غير جوه
واللعب داير يا صاحبى
زى ما هوه
الباطل اللى ضعف..
قوى وزاد قوه (2)
أما عن مواقف المجلس العسكري فحدث ولا حرج .. لم يمل المجلس من التذكير في كل مناسبة – وأحياناً كثيرة بلا أي مناسبة – أنه حمى الثورة واختار الوقوف إلى صفها وأنه يسعى جدياً لتسليم السلطة بالكامل للمدنيين والعودة إلى ثكناته .. هذا ما يقوله وهذا ما حاولت تصديقه مستخدماً حسن النية والتماس ملايين الأعذار ..لكن الحصافة تقتضي النظر للأفعال لا الأقوال .. والواقع أن الأفعال تسير في اتجاه مضاد تماماً لما يقول مؤكدة بذلك صدق المثل الشعبي القديم “أسمع كلامك أصدقك ، أشوف أمورك أستعجب” ..
فكيف نصدق من طلب بالأمس ستة أشهر فقط لا غير لتسليم السلطة وبعد مرورها يطالب بسنة ونصف إضافية ؟!!..
كيف بمن لم يُطلب منه التعامل بالعنف مع الثوار -حسب شهادات قادة المجلس- يدعي حماية الثورة من العنف ؟!!..
كيف بمن يدعي الانحياز لشباب الثورة حبس الواحد منهم تلو الآخر لمجرد أنهم يريدون غداً مشرقاً لبلدهم ؟!!..
كيف بمن يدعي الحرص على مكتسبات الشعب المصري العظيم فرض وصايته عليه في الدستور الذي سيشكله ؟!!..
كيف بمن يؤدي التحية العسكرية للشهداء اليوم استدعاءهم للمحاكمة العسكرية غداً ؟!!..
أسئلة عديدة إن دلت على شئ فإنما تدل على الحالة المزرية التي وصلت إليها ثورتنا عندما انشغلنا عنها بتفاهات أخشى أن تطل علينا برأسها ذات يوم وتخرج لنا ألسنتها في شماتة وهي تقول لي : لعلك لم تنجح بعد في الكتابة عن أسباب قيام الثورة لكني سأساعدك في الكتابة عن أسباب فشلها !
أفيقوا يرحمكم الله .. نَحُّوا خلافاتكم جانباً ..وتعالوا إلى كلمة سواء .. تخلصوا من قيود الأيدلوجيات والطوائف والشيع .. ترفَّعوا عن المكاسب الشخصية والمصالح الضيقة وحروب طواحين الهواء التي تخوضونها صباح مساء .. وتذكروا ..
تار الشهيد اللي ضحى ..
في رقابيكم
دمه مازال فوق رصيف ..
غاسلينه بإيديكم
اللي اترمي في بوابات الموت ..
يحميكم
اوعوا في هوجة الكلام ..
دم الشهيد تنسوه
ويسرقوه منكم ..
ياما التاريخ سرقوه
ماهيش حكاية صور ..
ولا غنا تغنوه
ولا في هيصة الفرح
ممكن عقولكوا تتوه
أمُه اللي بتنوح عليه ..
وتقول:
”ضنايا هاتوه”
لو هيه شايفاكوا قربتوا من أحلامه
ماكانتش حتحزن ..
حتلقاه حي في عينيكم !! (3)
وتذكروا أننا أصحاب الشأن لا أحد آخر .. وأن لن تنتصر ثورتنا إن تركناها لغيرنا يقرر فيها ما يشاء فيأمر وينهي ويستبد برأيه .. لن يجرؤ أحد على استعبادنا إلا إن وجدنا راضين بحياة العبودية .. فالأباطرة لا يتواجدون إلا في عالم من الحرافيش والأسياد لا يتواجدون إلا في عالم من العبيد والمستبدون لا يتواجدون إلا في أمةِ خاملة ذليلة ضعيفة ورحم الله رجلاً (4) قال : الاستبداد أعظم بلاء يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين وهو يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر مقالي “هبوط ثوري”
(2) ، (3) من قصيدة “النظام لسه ماسقطش” – عبد الرحمن الأبنودي.
(4) العلامة عبد الرحمن الكواكبي في كتابة الفريد “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.























2 Comments:
اولا مبروك علينا جميعا افتتاح هذا الموقع المحترم
ثانيا:
سأعلق على المقال فور قراءته
سلام مؤقتا
تحياتي
ألف مبارك يا أحمد انطلاق الموقع الجديد بالتوفيق دائما
وان شاء الله من المتابعين لكل جديد على الموقع الجديد
Post a Comment
لا يسلم البوست الرفيع مع الأذى ، حتى تراق على جوانبه الكومنتس
^_^