Thursday, November 24, 2011 | By: أحمد فتح الباب

شهادة لله | كريم محمد حسن

بقلم: كريم محمد حسن

بسم الله الرحمن الرحيم له الحمد أن خلق لي عقلا مستقلا قادرا حسب ما أرى على وزن الأمور وفق رؤية بشرية يعتريها ما يعتري كل البشر ، وله الشكر أن حررني من التبعية لأي أيديولوجية اتباعا يحصرني و يجبرني على الدفاع عن مواقف لا أؤمن بها ، و وحده أسأله التوفيق و السداد و أن يلهمني الصواب و اتباع الحق و الرشاد
و أصلي و أسلم على حبيبي رسول الله خير البشر بعثه الله محررا ليضع عنا إصرنا و الأغلال التي كانت علينا ، وداعيا لنبذ عادات الآباء و الأجداد لمجرد الاتباع ،والذي قال " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم "


و اترضى عن سادتنا الصحابة و الاتباع الفقهاء المنيرين ، الذين علموا الدنيا أصول الحياة ، و استنبطوا من خير الهدي سبل السعادة و النجاة ،و اتفقوا في أصول شرعنا أنه من المصالح الجزئية التي يجب مراعاتها والحفاظ عليها بعد حفظ الدين ، حفظ بنيان الإنسان المسلم، وعدم إزهاق روحه من غير حق، وأنه لا تعرف مفسدة جزئية في تشريع الإسلام أشد من قتل النفس التي حرم الله من غير حق.

أما بعد ،آمنت و ما زلت أؤمن بأن الانتخابات أولى الطرق الصحيحة لانتزاع السلطة من مجلس كفرت به و تيقنت من فشله في يوليو الماضي ، و كنت من أشد المتحمسين لنشر فكر التوعية الانتخابية في محيط أهلي و كليتي وصولا لمجتمعي الواسع في المواصلات و الشوارع و لكن..جد في الأمور شر ، و زكمت رائحة فساد المجلس العسكري أنوف كل الطامحين في مستقبل أفضل ، الطامعين في أن يكونوا أحسن الأمم ، فبعد عشرة أشهر تسلم فيها المجلس العسكري إدارة شئون البلاد و اكتسب شرعيته من شيئين أصيلين أولهما : انحيازه للشعب و عدم استخدام الرصاص ضده و حمايته كما يدعي ، و الثاني وعده بتسليم أمانة السلطة للجهة المدنية المنتخبة في غضون ستة أشهر فقط و قد انهار أساسا الشرعية التي كانت للمجلس فحاول إعادة اكتسابها بعرضه فكرة استفتاء لبقائه، واتفق أكثر الدستوريين على عدم شرعية إقامته وطاح الفساد في البلاد و العباد ، ولأنه لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فقد رأيت وجوب التذكير ببعض ما حدث في الأشهر العشرة الماضية
  • وعد المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين في خلال ستة أشهر فمكث عشرة أشهر ليطلب سبعا أخر
  • اعتقال الضباط الشرفاء في 8 أبريل و 27 مايو و الكثير منهم بالسجون الحربية
  • أحداث مسرح البالون التي لم نسمع نتائج تحقيقاتها أو نرى عقاب المسئولين عنها إلى الآن
  • أحداث الفتنة الطائفية المتنوعة التي كانت تطل كل شهر تقريبا و كذا الحال في عدم معاقبة أي مسئول
  • أحداث ماسبيرو و أيضا الجدير بالذكر أن لا جناة أمام العدالة
  • عشرات إن لم يكن مئات الشباب الشرفاء الذين قضوا أو قدموا لمحاكم عسكرية و آخرهم علاء عبد الفتاح و مينا دانيال و أسماء محفوظ و القائمة تطول
  • و للسائلين عن البورصة الفزعين من تدهور الاقتصاد ، نذكرهم بعدم تقديم أي حلول اقتصادية مجدية من قبل المؤتمن على إدارة البلاد فلا تفعيل للحد الأقصى و لا الضرائب التصاعدية تاركين الفقراء وحدهم يتجرعون عن عمد مرارة "شيل الليلة"
  • إنفاق ملايين الجنيهات على شراء القنابل المسيلة للدموع و أدوات فض الشغب و ترك الغاز الطبيعي يصدر لإسرائيل بنفس الأثمان رغم صدور قرار قضائي بإيقاف التصدير
  • أما الأمن ، فرغم القسوة و الوحشية التي تنتهجها الداخلية في مواجهة الثوار أو أطفال قصر "بطوب في إيديهم" تتحول إلى استكانة و ادعاء لضياع الهيبة أمام البلطجية الذين روعوا البسطاء من حزب الكنبة فضلا عن ترك هؤلاء البلطجية بعمد مع معرفة أسمائهم وحصرهم

و هذا غيض من فيض ، وقد طفح الكيل بمشاهدة جثث المصريين ترمى بأكوام القمامة ، و البنات "تجرجر" من شعورهن في منتصف الشوارع ، واعتداء ممنهج على الصحفيين وصل لحد اعتقال و تعذيب أحدهم "مراسل الأخبار" لمجرد إنه صحفي ، و أيضا تصعيب ظروف العمل على الأطباء وصولا لاستهدافهم شخصيا و استهداف المستشفيات الميدانية لأكثر من مرة في فعل لا يصدر إلا عن مجرمي حروب تجعل تنحيهم أمرا توجبه الفطرة الحيية ، إن لم توجبه الكرامة و الشهامة البشرية


و بــعد، فقد كنت على مدار الأيام السابقة في ميدان التحرير ، متظاهرا فيه ، وكارا فارا في شارع محمد محمود ، و متطوعا في المستشفى الميداني و أقدم شهادتي لله و لمن لا يعلم و الله على ما أقول شهيد :

أولا الرد على سؤال الساعة : هم بيروحوا محمد محمود ليه ؟؟ عايزين يقتحموا الوزارة ليه؟؟و الإجابة من مقاطع ، أولها غير ملزم لساكني وسط البلد و من اعتادوا التجول هناك ، فالوزارة تبتعد كثيرا عن محمد محمود || ثانيا : إذا أراد من أراد اقتحام الوزارة (ولا داعي لإعادة التأكيد على الكلام الذي شبعنا منه أننا نستنكر هذا) لاقتحموها من شوارع آخرى و لم يصروا على محمد محمود فقط || أما ثالثا ، فيعلم الله أنه لولا وجود من بشارع محمد محمود لضرب الميدان عن بكرة أبيه ، ووالله كلما ارتد الثوار عن الشارع وصلت قنابل للميدان و أصابت من فيه ، و كلام الداخلية كله عن انه "الأمان كل الأمان لمن في التحرير" أضعه تحت حذائي و أنا مرتاح البال || و أخيرا ، فإنني لا أنكر وجود بعض القصر ، أطفال المدارس الذين يبدأوون بقذف الحجارة على الأمن المركزي الذي يرتدي خوذ بالمناسبة ، فما تلبث قوات الأمن أن تمطرنا بوابلها من الغازات التي أشهد أنها تكاد تميت الواحد من صعوبة الاستنشاق و من الالتهاب الذي تسببه بالحنجرة و الرئة و تشوش الرؤية و فقدان الإحساس بالتوازن ، كل هذا و أنت مطالب بالركض و سط الزحام لتلحق مكانا تتنفس فيه

أكرر و أنا مطمئن البال ، أنا نية معظم من كانوا بمحمد محمود هو الدفع و رد العدوان عن من هم في الميدان و إلا لاقتحمنا الوزارة عندما وصلنا إلى بابها يوم الثلاثاء قبل الفجر و لم نقم إلا بالهتاف فقط

ثانيا : و من شهادتي أيضا أنه يصعب لدرجة الاستحالة حصر الميدان في تيار واحد ، فإذا قلت الليبراليين في الميدان هالك كمية الشباب الملتحي و بعض المنتقبات و الهتافات التي تعلو بالتكبير كما لم يحدث في أيام الثورة نفسها ، و إذا قلت أنه ميدان سلفي ، هالك حجم الغير محجبات الذين ينتشرون في الميدان ، وكنت اتمنى ان أذكر الإخوان ها هنا و لكن لهم موقفهم

ثالثا :أشهد الله أني تحدثت مع عدد غير قليل أجمع أغلبهم على ضرورة إقامة الانتخابات في موعدها و طالب البعض فقط بتأجيل الانتخابات في القاهرة لتكون مرحلة ثانية أو ثالثة ريثما نهدأ الأحوال (و اعذروني للحديث عن الانتخابات فأنا أشعر بميكافيلية شديدة و لكنها الشهادة التي أحب أن أؤديها)

أشكر شباب حزب النور على كل ما قاموا به و تعاونهم المثمر في الميدان و مساعداتهم الجليلة في حقن الدماء و تقديم المساعدات الطبية بجانب الأطباء ، و تنظيف الميدان

و بعد الشهادة التي أردت أن أنقلها ، فإني عتبت على الإخوان موقفهم الرافض للنزول ، و تفهمت خوفهم من سيناريو سابق و تجربة أليمة ، خصوصا مع مشاركة شباب الإخوان معنا، و تحول العتب إلى غضب شديد حينما علمت أنهم يقنعون شبابهم و آخرين بعدم النزول فهذا عندي ما ليس بموقف أبدا ، و استشعرت أن الإخوان يبشرون بدين جديد في مصر تكون فيه حرمة موعد الإنتخابات عند الجماعة أكبر و أعظم من حرمة الدماء التي تسيل منذ خمسة أيام ، وحرمة كرامة الإنسان المصونة و المقدمة على كل اعتبارو قد رأيت في بيانهم الذي أصدروه و طالبوا فيه بوقف العنف بشكل فوري حجة عليهم لا لهم ، فأين كانوا هم من بيانهم عندما لم تنفذ أولى مطالبهم بوقف العنف و خرقت الهدنة مرارا و تكرارا بغدر من الأمن وضرب للناس في السجود أثناء الصلاة و إنني أشد تعجبا من نشر نظرية المؤامرة بهذا الشكل الذي فاق حدود المؤامرة الموجودة بأضعاف أضعاف حجمها ، وآلمني كثيرا ما سنعته من أحدهم و اتمنى أن يكون خاطئا من أن د. العوا قال عن المتظاهرين أنهم يقبضون 400 جنيه في الليلة و كأن الثورة ما قامت ، و كأن أسلوبا ذهب ليحل محله نفس الأسلوب بتعبيرات مغايرة أقصى ما أعرفه ، أن الانتخابات وسيلة و ليست غاية، وسيلة
وكان من الممكن أن يأكد الإخوان عل ضرورة عقد الانتخابات و الالتزام بها في موعدها مع الظهور المشرف الذي يليق باسم جماعة اتخذت من الإسلام الذي قدس النفس الإنسانية شعارا لها و هذا ما فعله أساتذة كبار مثل فهمي هويدي و حسن نافعة ، أما أن اقتح صفحة الإخوان و أجد كل "البوستات" تتحدث عن الانتخابات و حسب ، ويصدر البيان الأسبوعي للمرشد دون ذكر أحداث التحرير فهو ما اعتبرته غاية في الميكيافيلية توشك أن تغير كل ما اعتقدته حسنا عن الجماعة

وتحجج بعضهم بأن النزول هو مشاركة في الفوضى ، وهي حجة العاجز ، فيعلم الله أني و نفر غير قليل من أصحابي ما نزلنا إلا لإيقاف الفوضى و كنا نعبر الخط بين المتظاهرين و الشرطة مطالبين بعدم إلقاء الحجارة و الهدنة، لنا جميعا في موقف مشايخ الأزهر أحسن عبرة و أحكم تأويل.. والله يشهد على أن العنف ما توقف في شارع محمد محمود إلا بجهود الشباب أنفسهم الذين وقفوا دروعا بشرية يمنعوا من يريد التقدم صوب محمد محمود ، و ما أطفئ الحرائق التي أشعلتها قذائف الشرطة إلا الشباب أنفسهم و كاد بعضهم يموت هاويا من شرفة أو بلكونة أثناء ذلك .

إنني أحمل المجلس العسكري كل المسئولية و أرفض الوثوق في وعد قطعه على نفسه و سأنزل الميدان و سأظل أنزل حتى أرى بعيني تلك الحكومة التي وعدونا بها ، و لن ألدغ من نفس الجحر مرتين

كما أعبر عن استيائي البالغ من موقف الإخوان و الذين امتدت أيديهم لأيدي مجرم الحرب ضارب المستشفيات ، و طالبوه بعدم التنازل الآن مع كل الفساد المرئي و المعلوم ، و لا يقولن أحدكم فتنة فما تونس عنكم ببعيد ، فقد تسلمت السلطة حكومة انتقالية واسعة الصلاحيات حتى تم الانتخاب و هذا ما نريده، وأحمل الإخوان مسئولية التقصير على أقل تقدير فيما حدث في الأيام الماضية و في النهاية لا أملك إلا الدعاء أن يرينا الله ما فيه الصواب و يلهمنا الحق والتزام جنبه

كريم محمد حسن
24 نوفمبر 2011

المصدر: